10 , أغسطس 2026

القطيف اليوم

محراب التكوين (٢).. شهود العظمة

الصلاة برنامج تربوي وتقويمي مستمر للقلب المستشعر للعظمة الإلهية في محراب العبودية والطاعة؛ فالوقوف بين يدي الله تعالى استحضار للجمال والجلال الرباني، يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويتجلى ذلك النور المعرفي والسلوكي في تصرفات المصلّي وأفعاله، بعد اصطباغ نفسه بمضامين الصلاة الروحية والأخلاقية.

ومن تلك المضامين التهذيبية للنفس: نزع جذور الغرور، وتضخم الأنا، والشعور بالاستقلال الوهمي، ومثل هذا المضمون والقيمة الأخلاقية يسلّطان الضوء على قيمة الصلاة الواعية والخاشعة ومكانتها؛ فهي تحدث في العقل والنفس مقدارا من التحول المعرفي والأخلاقي والسلوكي.

وهذا ما يظهر في الروايات الشريفة الكاشفة عن أسرار أفعال الصلاة ودلالاتها؛ فإن الركوع إعلان عن انكسار النفس أمام عظمة الخالق، وتخلّصها من أوهام الاقتدار الذاتي، وكذلك السجود بتمكين الأعضاء السبعة، فهو أبلغ ما يصله المصلّي من الخضوع لله تعالى.

وإذا ما انعكست بقية المعاني لمفهوم الصلاة وهيئتها، حيث تغدو برنامجا لتهذيب النفس من سلطان الأهواء والشهوات المتفلّتة والانفعالات غير المنضبطة، فإنها تتحول حينئذ إلى غذاء روحي يرافق الإنسان في تفاصيل حياته وعلاقاته، وفي مجمل ما يصدر عنه.

فالصلاة عنوان لتنزيه النفس وتطهيرها، وإبعادها عن دائرة الآثام والخطايا والرذائل، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): مَن أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه )( مجمع البيان للطبرسي، ج ٨، ص ٢٨ ).

وهذا النص الشريف يضع معيارا عميقا لقبول الصلاة وأدائها بإخلاص، وظهور صورتها الباطنية على هيئة التصرفات والعلاقات؛ فبمقدار حضور آثار الصلاة في السلوك العملي يتبين لنا قبولها، لتصبح الصلاة ميزانا يكشف عن المسافة بين المعرفة النظرية والسلوك العملي، ومدى تطابقهما وسيرهما في اتجاه واحد.

فما يعتقده الإنسان من وجود الله تعالى ورقابته للعباد في السر والعلن، يظهر في واقعه الذي كان للصلاة الدور الأكبر في بلورته بأبهى وأجمل صورة من الاستقامة والنزاهة النفسية.

فإذا كان المصلّي يخرج من صلاته أكثر صدقا، وأشد حذرا من التلفظ بالسوء، ومجانبة مجمل الكلام المحرّم، كالغيبة والنميمة وغيرهما، وأكثر تواضعا وحسنا في تعامله مع الآخرين، وأبعد عن الظلم بكافة أشكاله، فقد بدأت الصلاة تنشر عليه رداء التقوى، وتؤدي رسالتها التربوية.

وأما إذا بقيت الصلاة مجرد هيئة وحركات خاوية، ومنفصلة عن الأخلاق، فقد يكون الخلل في حضور القلب، واستحضار العظمة الإلهية، وفهم معنى أفعال الصلاة وأذكارها، وحقيقة الوقوف بين يدي الله تعالى.

ومن مكتسبات ومضامين مدرسة الصلاة التربوية: بناء ملكة مراقبة النفس ومحاسبتها في الإنسان، والحذر من كل خطوة يقدم عليها ولا تكون في مضمار قيم الصلاة وأهدافها السامية؛ لأنه يستحضر أن الله تعالى يراه في كل أحواله، ولا يغيب عنه عز وجل شيء، حتى ما تخفيه الأنفس وما تضمره من نوايا، فيستحي أن يعصيه في الخلوة إذا غاب عن أعين الناس، كما يستحي أن يعصيه في العلانية؛ إذ تتحول الصلاة مع حضور القلب وشهود العظمة، من عبادة تؤدى في أوقات مخصوصة إلى حالة إيمانية مستمرة، ترافق الإنسان في خلوته وجلوته، وتعيد صياغة علاقته بنفسه وربه والناس من حوله.


error: المحتوي محمي